انفصال جنوب السودان

29-12-2011 06:33 AM - عدد القراءات : 21111

يعد التاريخ السياسي لإقليم جنوب السودان من الملفات المهمة لفهم طبيعة السودان الخاصة، حيث تضافرت مجموعة من العوامل علي تقسيم السودان معنويًا قبل أن تصبح حدوديًا، ومؤججة لكثير من الصراعات
انفصال جنوب السودان
fiogf49gjkf0d
حيث انه في باديء الأمر قامت السياسات الاستعمارية علي اظهار الاختلافات الإثنية واللغوية والعرقية والدينية، وفرقت المملكة المتحدة في التعامل مع الجنوب والشمال في قضايا أهمها التعليم، فبدأت تظهر الاختلافات الثقافية وساد اعتقاد لدي الاوساط المسيحية في الجنوب أن الشماليين هم تجار رقيق. وبعد جلاء القوات بريطانيا وانفصال السودان عن مصر طالب الجنوبيون أن يكون لهم نظام خاص لهم داخل الدولة السودانية الموحدة، وهو الأخذ بنظام الفدرالية، ولكن الحكومة رفضت الاقتراح معللة إنه يؤدي الي انفصال الجنوب كا تطور طبيعي. وفي أغسطس 1955 تمرد بعض أعضاء الفرقة الجنوبية من الجيش السوداني بإيعاز من المملكة المتحدة ضد الشمال، حيث كانت هناك شكوك لدي الجنوبيين على سياسات وزارة إسماعيل الأزهري التي تشكلت في يناير من نفس العام. وفي عام 1958 وبعد تولي إبراهيم عبود للسلطة قامت الحكومة العسكرية باتباع سياسة التذويب بالقوة مع الجنوبيين، وأدي ذلك إلى مطالبة الأحزاب الجنوبية وعلي راسهم "حزب سانو" باستقلال الجنوب، كما تم تشكيل حركة أنانيا التي بدأت عملياتها العسكرية في عام 1963، وبعد الشد والجذب تم بحث تسوية سلمية للصراع، حيث عقد مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965. وفي عام 1972 تم توقيع اتفاقية أديس أبابا والتي أعطت للإقليم الحكم الذاتي في إطار السودان الموحد، إلا إنه في يوليو وسبتمبر من عام 1983 أصدر الرئيس جعفر نميري عدة قرارات أطاحت بالاتفاق منها تقسيم الإقليم إلى ثلاثة أقاليم ونقل الكتيبة (105) وبعض الجنود إلى الشمال وإتهام قائدها كاربينو كوانين بإِختلاس أموال، كما تم إرسل قوات لإخضاعها فأدي ذلك إلى هروبها إلى الادغال الاستوائية لتصبح فيما بعد نواة لجيش الرب، فكلفت الحكومة العقيد جون قرنق بتأديب الكتيبة، إلا إنه أعلن انضمامه إلى المتمردين مؤسسًا الحركة الشعبية لتحرير السودان ولها جناح عسكري عبارة عن جيش، وأعلن إن هدف الحركة هو "تأسيس سودان علماني جديد" قائم على المساواة والعدل الاقتصادي والاجتماعي داخل سودان موحد، وقام برفع شعارات يسارية فحصل علي دعم من إثيوبيا وكينيا خصوصًا الرئيس الإثيوبي منغستو هيلا ميريام.

وبعد الإطاحة بنظام جعفر نميري عبر انتفاضة شعبية عام 1985 كان هناك أمل في التوصل إلى اتفاق مع الحركة، ولكنه فشل بعد اجتماع رئيس الوزراء الجديد الصادق المهدي مع قرنق بعام 1986. وفي نوفمبر من عام 1988 تم إبرام اتفاق بين قرنق ومحمد عثمان الميرغني في أديس أبابا والذي نص على تجميد قرارت سبتمبر 1983، ولكن هذا الاتفاق لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ بعد انقلاب يونيو 1989 بقيادة عمر البشير والتي تبنت شعار "الجهاد الإسلامي" ضد القوى الجنوبية مستعينة بتسليح مليشيات تدعى قوات الدفاع الشعبي، وحققت الحكومة عددة انتصارات عسكرية.

وفي أغسطس 1991 وبعد سقوط نظام منغستو في إثيوبيا وإنشقاق الحركة الشعبية، حاولت الحكومة الاستفادة من هذا الانشقاق فأجرت الاتصال منفردة مع لام أكول بوثيقة عرفت باسم "وثيقة فرانكفورت" والتي وقعت في يناير من عام 1992، إلا أن الحكومة السودانية أنكرتها بعد ذلك. وفي مايو 1992 وتحت رعاية الرئيس النيجيري إبراهيم بابنجيدا أجريت الجولة الأولى للمفاوضات في أبوجا، ثم الجولة الثانية في مايو من عام 1993، ولكن لم تسفر هذه المفاوضات عن شيئ. وتضاعفت الجهود الدولية من خلال "منظمة الإيغاد" إلى أن تم توقيع اتفاق اطاري يسمي "بروتوكول ماشاكوس" وذلك في يوليو من عام 2005 والذي أعطى للجنوب حكم ذاتي لفترة انتقالية مدتها 6 سنوات، وحق تقرير المصير وفرصة للجنوبيين لتفكير في الإنفصال، كذلك أعطى الفرصة في بناء مؤسسات الحكم الانتقالية كنوع من الضمانات. وفي 9 يناير 2005 وقعت الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا، والذي نصت بنوده على:

* حق تقرير المصير للجنوب عام 2011.
* اجراء انتخابات عامة علي كافة المستويات في مدة لا تتجاوز عام 2009.
* تقاسم السلطة بين الشمال والجنوب.
* تقاسم الثروة.
* إدارة المناطق المهمشة بين الشمال والجنوب.
* الترتيبات الأمنية.

ومن ثم وافق الرئيس السوداني عمر البشير على انفصال جنوب السودان عن شماله طبقا للنتائج التي أعلنتها مفوضية استفتاء جنوب السودان  والتي أظهرت أن 98.3% من الأربعة ملايين جنوبي الذين شاركوا في التصويت اختاروا الاستقلال عن الشمال.

وأعلن الرئيس السوداني عمر البشير في تصريحات أدلى بها للتليفزيون السوداني قبل إعلان النتائج الرسمية قبوله بقرار الجنوبيين اختيار الانفصال.

ونقلت قناة الجزيرة القطرية عن البشير قوله: "إنه تلقى نتائج الاستفتاء الاثنين، وأنه يرحب بتلك النتائج حيث إنها "تمثل إرادة شعب الجنوب". وأكد البشير في الوقت ذاته على التزام الشمال بعلاقاته مع الجنوب والتزامه بالعلاقات الجيدة المبنية على التعاون.

وبحسب صحيفة القدس العربي فقد أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن الولايات المتحدة ستعترف بجنوب السودان كدولة مستقلة في يوليو من العام الجاري، وقال الرئيس الأمريكي: "إنني سعيد بإعلان عزم الولايات المتحدة الاعتراف الرسمي بجنوب السودان كدولة مستقلة في يوليو 2011".

كما أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في وقت سابق أيضا أن بلادها شرعت في اتخاذ خطوات من أجل شطب اسم السودان من قائمتها للدول الراعية للإرهاب، حيث إنها التزمت باتفاقية السلام الموقعة بين الشمال والجنوب وأجرت استفتاءً ذا مصداقية حول انفصال الجنوب.

وقالت كلينتون: "تماشيا مع المناقشات الثنائية التي عقدت بين الولايات المتحدة وحكومة السودان... تبادر الولايات المتحدة بعملية لإلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب".

ويشار إلى أن السودان أدرج على القائمة السوداء منذ عام 1993 حيث تم وقف معظم التبادلات التجارية الأمريكية مع الخرطوم لأكثر من عقد من الزمان.

يُذكر أن انفصال جنوب السودان عن شماله يمثل مصالح كبيرة لدولة الاحتلال الصهيوني؛ طمعا في ثرواته وخيراته الطبيعية، حيث ذكر الكاتب الصهيوني يوئيل جوجنسكي في مقال سابق له بصحيفة "إسرائيل اليوم" أن:"استقلال جنوب السودان سيضع قيد الاختبار الاستثمار الإسرائيلي الهادئ فيها على مدى السنين، واستعداد الأسرة الدولية لأن تقبل في حضنها دولة جديدة، حتى وإن كان بشكل أحادي الجانب، وقدرة إسرائيل على التصدي لموجة لاجئين أخرى إذا ما تصاعد العنف جراء الأحداث".

وأكد جوجنسكي أن الانفصال يفتح أسواق الجنوب أمام المستثمرين الصهاينة بقوله: "هذه خطوة كفيلة بأن تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع الجنوب وهو ليس أمرا يستهان به، ويحظى بفتح السوق الجنوب السودانية أمام رجال الأعمال الإسرائيليين، يتجاوز التصدير الأمني أيضا؛ يحتمل أيضا إعادة المتسللين إلى الجنوب بشكل منظم".
وفى 9 يوليو 2011 تم الإعلان عن استقلال كامل لدولة جنوب السودان  وتعتبر مدينة جوبا عاصمتها وأكبر مدنها، ومن أكبر مدنها هي واو وملكال ورومبيك وأويل وياي.