الأربعاء,18 يناير 2012 - 08:50 ص
: 22530    

كتب محمد حسن القاضى

الثـورات العـربية وجـدلية التحول الديمقراطي والاسـتقرار السياسي مع اندلاع الانتفاضات والثورات الشعبية المطالبة بالتغيير والديمقراطية في كل من تونس و مصر واليمن وليبيا وسوريا، تنامت المخاوف والهواجس بِشأن الاستقرار والأمن، ولاسيما في ظل تصاعد مؤشرات عدم الاستقرار في تلك الدول بدرجة خطيرة، وهو أمر وإن كان طبيعياً في مراحل التغيير والتحولات الكبرى،

fiogf49gjkf0d

إلا أنه يثير العديد من التساؤلات حول تجارب التحول الديمقراطي وخطوات الإصلاح السياسي في المنطقة العربية في الفترة الماضية، من قبيل ما هي أسباب ارتباط اختلال الاستقرار السياسي بجهود وخطوات التحول الديمقراطي في الدول العربية و لماذا فشلت تلك الجهود والخطوات  في تدعيم الاستقرار؟ ولماذا لم تفلح محاولات الإصلاح السياسي  في الحيلولة دون وصول الأوضاع في بعض الدول العربية إلى مرحلة الانفجار؟ و ذلك في إطار تساؤل أشمل حول طبيعة أو ماهية العلاقة بين التحول الديمقراطي والاستقرار السياسي.
 
طبيعة العلاقة بين التحول الديمقراطي والاستقرار السياسي
         إن ثمة علاقة جدلية وثيقة بين التحول الديمقراطي والاستقرار السياسي، حيث من المفترض أن تؤدي الآليات والممارسات الديمقراطية المتضمنة في عملية التحول الديمقراطي دوراً مهماً في تحقيق الشرعية والاستقرار، وذلك بإتاحة الإمكانية لتمثيل مختلف الآراء عبر حرية التعبير و التعددية السياسية والحزبية ،والتي من خلالها يتحول العنف ـ الذي يعد مؤشراً لعدم الاستقرارـ إلى عملية سياسية. كما تعد الديمقراطية بما تنطوي عليه من إقرار للحقوق والحريات الأساسية وتدعيم للمشاركة الشعبية مؤشرا مهماً للاستقرار، وأحد المقاييس الإيجابية للحكم على أي نظام حاكم بالاستقرار السياسي.
 
وعلى الرغم من تناقض مفهومي التحول الديمقراطي والاستقرار السياسي ظاهرياً، باعتبار التحول الديمقراطي نمطاً من التغيير، وكون الاستقرار السياسي ـ في أحد جوانبه ـ مرادفاً لعدم التغيير، إلا أن العلاقة الوثيقة بين كلا المفهومين تبدو جلية مع تنحية المرادفة بين الاستقرار السياسي وانعدام التغيير، والنظر إلى  التغير المتضمن في عملية التحول الديمقراطيباعتباره تكيفاً مع التغيرات الطارئة، أو جهداً هادفاً لتدعيم كفاءة النظام السياسي ومعززاً لشرعيته بما يكفل الاستقرار. فالتغيير قد يكون نوعاً من عدم الاستقرار، لكنه سعى نحو تحقيق الاستقرار في حالة التحول الديمقراطي. وعندما يبدأ نظام سياسي ما في السير قدماً في عملية التحول الديمقراطي، فمن الطبيعي أن تتزايد التوقعات بالمردود الإيجابي لتلك العملية على الاستقرار السياسي في هذا النظام. فالتحول الديمقراطي - بما ينطوي عليه من ترسيخ لقواعد التعددية والتداول السلمي للسلطة، وبما يهدف إليه من توسيع للمشاركة الشعبية في السياسة والحكم - يمثل ركيزة أساسية لتدعيم الاستقرار السياسي.
 
لكن رغم نجاح العديد من الدول في تدعيم الاستقرار السياسي من خلال التحول الديمقراطي، ارتبطت تجارب التحول الديمقراطي في العالم العربي منذ بداياتها المبكرة بعدم الاستقرار. فعلى سبيل المثال دخلت الجزائر مرحلة صعبة من عدم الاستقرار السياسي مع الإرهاصات الأولى للتحول الديمقراطي والتي بدأت منذ تسعينيات القرن العشرين، حيث دخلت البلاد في مرحلة صدام مسلح مرير بين الحكومة والإسلاميين. وفي اليمن ترافقت تجربة التحول الديمقراطي التي بدأت منذ قيام الوحدة اليمنية عام 1990م مع عدم الاستقرار السياسي، والذي وصل ذروته باندلاع الصراع المسلح بين شريكي السلطة (حزب المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي) عام 1994م. كذلك ارتبطت خطوات التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في مصر والمغرب وتونس والأردن بالعديد من مؤشرات عدم الاستقرار وإن كان بشكل أقل حدة من حالتي الجزائر واليمن.
 
و في حين أثبتت تجارب التحول الديمقراطي في العديد من الدول ـ مثل دول شرق وجنوب أوروبا  وبعض دول أمريكا اللاتينية وبعض دول جنوب شرق آسيا ـ أن الانتقال نحو الديمقراطية قد أدى إلى تحقيق الاستقرار السياسي أو تدعيمه عبر مؤشرات معينة مثل التداول السلمي للسلطة، والاستقرارعلى مستوى النخب الحاكمة، أو حدوث تفاهم حول قواعد العملية السياسية بين أجنحة النخب الحاكمة والمعارضة والمجتمع المدني، واحترام آلية الانتخاب والتنافسية، إلا أنه على النقيض من ذلك فإن جهود التحول الديمقراطي في الدول العربية قد فشلت في تحقيق الاستقرار، حيث ارتبطت تلك الجهود في الغالب بتزايد حدة العنف السياسي بين أجنحة النخب الحاكمة نفسها أو بينها وبين المعارضة، فضلاً عن حدوث انقسامات حادة داخل نخب المعارضة، وعدم احترام آلية الانتخابات، وتصاعد مظاهرالاحتجاجات والاضطرابات الناجمة عن أتباع سياسات اقتصادية تقشفية درجت النظم الحاكمة على مقابلتها غالباً بالعنف، وعدم اعتراف النخب العربية الحاكمة بالتنافسية السياسية كآلية من آليات ضمان الاستقرار السياسي، والذي ينصرف بالأساس إلى قدرة النظم الحاكمة على تجاوز الأزمات بدون استخدام العنف و دون حدوث توترات شديدة تعطل فرص الحوار والتنافس السلمي.
 
 ومن اللافت للنظر أنه على الرغم من أن جُل جهود التحول الديمقراطي في النظم السياسية العربية كانت مدفوعة بالرغبة في تحقيق الاستقرار السياسي أو تدعيمه، إلا أن نتائج تلك الجهود جاءت في الغالب الأعم على عكس ما كان مرجواً أو متوقعاً، لتصل الأمور إلى مرحلة الانفجار الشامل باندلاع العديد من الانتفاضات والثورات الشعبية الجارفة في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا.
فما الذي أفقد جهود وخطوات التحول الديمقراطي فعاليتها في تحقيق الاستقرار أو تدعيمه في الدول العربية؟ وما الذي دفع الأوضاع في تلك الدول إلى حد الانفجار؟
 
 إخفاق جهود التحول الديمقراطي في المنطقة العربية
إن الإجابة على  التساؤل السابق تكمن في أن جهود وخطوات التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في العالم العربي قد حملت في طياتها بذور إخفاقها، فقد اتسمت تلك الجهود والخطوات بسمات عدة أفقـدتها فعاليتها وكانت السبب في فشلها، ومن أهم هذه السمات: أنها كانت مفروضة من أعلى من قِبل النظام الحاكم وغير ناجمة عن توافق مجتمعي أو تفاعل إيجابي بين النخبة السياسية الحاكمة والجماهير، وضعف اقتناع النخبة الحاكمة بالتحول الديمقراطي وتضاؤل التزامها بآلياته وأهدافه. وافتقاد جهود التحول الديمقراطي وخطواته للمضمون الحقيقي وانفصالها عن السياق الأشمل المتمثل في الرغبة الماسة في التغيير الفعلي وتحقيق الحرية والعدالة والكرامة. وميلها الشديد للانتقائية والتحكم والشكلية، فعلى سبيل المثال أعطيت الأولوية في بعض الدول - كمصر مثلاً- للإصلاح الاقتصادي دون الإصلاح السياسي، باعتبار أن الأول وثيق الصلة بتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين وتوفير الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يشكل قاعدة للإصلاح السياسي، إلا أن الفشل في تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية، وترافق سياسات الإصلاح الاقتصادي مع تنامي سوء الإدارة والفساد السياسي والمالي قد أدى إلى إفراز سياسات الإصلاح الاقتصادي لبعض التأثيرات التي أضرت بعملية التحول الديمقراطي بدلاً من أن تكون عنصراً محفزاً لها. إضافةً إلى ذلك اتسمت جهود وخطوات التحول الديمقراطي بتناقضها في واقعها مع أطرها وهياكلها الدستورية والقانونية ،الأمر الذي تعددت في إطاره أشكال انتهاك الأسس والمياديء الدستورية والقانونية. وفي هذا السياق اتسعت الفجوة بين الواقع والخطاب السياسي الرسمي المتشدق بعبارات "الشرعية الدستورية" و"دولة القانون والمؤسسات" ،وامتدت تلك الفجوة لتشمل كافة القطاعات راسمةً صورةً ورديةً زائفة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والوظيفية وغيرها، متناقضةً تماماً مع الواقع الذي تعيشه الأغلبية الساحقة .
 
          وقد مثلت الأوضاع الاقتصادية عاملاً محورياً حاسماً في فشل جهود وخطوات التحول الديمقراطي في تدعيم الاستقرار، والدفع نحو تفجر الأوضاع في المنطقة العربية، فقد ترافقت تلك الجهود والخطوات مع تدهور الظروف الاقتصادية في الغالب لقطاعات واسعة من الشعوب، ولم تفلح التصريحات الحالمة للمسئولين الرسميين عن المردودات الايجابية لسياسات الإصلاح الاقتصادي على المدى المتوسط أو البعيد في تخفيف الاحتقان المتنامي لدى قطاعات مجتمعية كبيرة سئمت انتظار تلك المردودات على مدى سنوات عِجاف طوال .
إن الاستقرار الاقتصادي والكفاءة في إشباع الحاجات والمتطلبات الأساسية لأكبر عدد ممكن من أفراد الشعب يعتبر بمثابة البنية التحتية للاستقرار السياسي ، حتى أن النظم التسلطية قد تنعم بقدر معين من الاستقرار في حالة نجاحها في تحقيق درجات معقولة من الانجاز الاقتصادي، إلا أن تحقق الاستقرار أو استمراره في ظل ترافق الاستبداد والتسلطية مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية يعد أمراً مستحيلاً. لذلك أضحى من الصعب على النظم العربية الاستبدادية أن تحافظ على استقرارها أو على بقائها في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لقطاعات عريضة من شعوبها ولاسيما الشبابية منها.
 
وعلاوةً على ما سبق، جاءت جهود وخطوات التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في العالم العربي في سياق ثقافة سياسية غير ملائمة، اتسمت بالسلبية والانقياد والعزوف عن المشاركة الإيجابية،  وقد عملت النظم الحاكمة ـ بخبث ـ على تعميم تلك الثقافة بتسطيح الوعي الجماعي وتسفيهه عبر الدعايات الإعلامية السلبية المكثفة، والتي آتت ثمارها المرة في ظل غلبة الطابع التسلطي على عملية التنشئة السياسية، وتراكم تقاليد وخبرات التسلط السياسي وشخصانية الحكم أو حكم الفرد ومركزية السلطة، وتدني المستويات التعليمية في الغالب، وارتفاع مؤشرات ما يمكن تسميته "الجهل المقنَّع" الذي يعني انخفاض مستوى الوعي الإيجابي لدي الفئات المتعلمة. وفي هذا الإطار نشطت الأبواق الإعلامية للأنظمة الحاكمة في تبرير رفض مبادرات الإصلاح السياسي الحقيقي انطلاقاً من حجج ومبررات واهية من قبيل خطورتها على الاستقرار، أو تعارضها مع الخصوصية الثقافية والحضارية للشعوب العربية والإسلامية ، وكأن تلك الخصوصية تأبى الديمقراطية ، أو تتعارض مع قيم أو أهداف ومطالب تعد من صميم الديمقراطية كالحرية والعدالة والمساواة، واحترام حقوق الإنسان، ومحاربة الفساد السياسي والإداري، وضمان التنافسية السياسية و نزاهة الانتخابات، والالتزام بأسس المساءلة والمحاسبة في العمل العام أو الحكومي.
 
          وأخيراً جاء دور الأجهزة الأمنية والعسكرية ليكون سبباً من أسباب مشكلة عدم الاستقرار في غالبية الدول العربية، عوضاً عن أن يكون جزءاً من الحل، فبدلاً من أن تمثل تلك الأجهزة عاملاً للاستقرار أصبحت عائقاً له، نتيجةً لتضخمها وتغولها على كافة قطاعات المجتمع، وتركيز جهودها على حماية أمن الأنظمة الحاكمة على حساب حماية أمن الأوطان، وذلك في سياق غلبة الطابع القمعي لأنظمة الحكم. لذلك لا عجب أن مثلت الممارسات الأمنية الوحشية القشة التي قصمت ظهر أنظمة الحكم الاستبدادية، و الشرارة التي أشعلت الثورات في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا.
 
رؤية مستقبلية حول الاستقرار في أعقاب الثورات العربية
          أما وقد اندلعت الثورات العربية العارمة وأطاحت ـ أو تكاد تطيح ـ بأعتى الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة، فإن الفرصة قد أصبحت سانحة لكي تخطو الدول العربية خطوات عملاقة نحو الحرية والديمقراطية الحقيقية، وطي صفحة الماضي المتوتر وغير المستقر، وتهيئة المجال لعهد جديد تنعم فيه الدول والشعوب باستقرار حقيقي ـ لا جموداً سياسياً أو خضوعاً أو خوفاً معمماً ـ مبني على الاقتناع لا على القمع أو القهر والإذلال، إلا أن ذلك ليس بالأمر الهين، ولن يتحقق بالطبع دون بذل الكثير من الجهود المخلصة و المضنية، فالطريق نحو تدعيم الاستقرار في أعقاب التحولات، وقطف الثمار الطيبة للثورات، ليس مفروشا بالورود. و لن يتثنى ذلك إلا عبر تضافر الكثير من الجهود في سبيل الإصلاح الحقيقي الشامل عبر الإصلاح الدستوري والقانوني الجذري، وإصلاح النظامين الانتخابي و الحزبي، وإصلاح المؤسسات والأجهزة الرسمية وإعادة بنائها على أسس واعتبارات سليمة، وإصلاح عملية صنع وتنفيذ السياسات العامة والنهوض بمستوى كفاءتها، وتفعيل اللامركزية سياسياً وإدارياً ومالياً، وإصلاح النظام التعليمي، ونشر الوعي و الثقافة الديمقراطية، وتدعيم دور المجتمع المدني،  والإصلاح الاقتصادي  والاجتماعي الشامل.
 
 
* الكاتب:  دكتوراه في النظم السياسية المقارنة وخبير في الشؤون السياسية العربية







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 73938


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 45793


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 45112


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 44849


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 39648


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 39518


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 39423


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 37941


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 36318


تعريف التاجر - عدد القراءات : 34774


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى