الخميس,4 أغسطس 2011 - 05:54 م
: 26337    

كتب محـمـد حسـن القاضي
mohamedjohany@yahoo.com

الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية على مدى عقود طويلة ظلت المنطقة العربية بمنأى عن التحول الديمقراطي الحقيقي، وبقيت قلاع الدكتاتوريات العربية العريقة محصنة ضد موجات التحول و التغيير المتلاحقة التي هزت العديد من مناطق العالم و أطاحت بالعديد من نظم الحكم الدكتاتورية. ففي الماضي ضربت العالم ثلاث موجات للتحول الديمقراطي،امتدت الموجة الأولى بين الثورتين الفرنسية والأمريكية وانتهت عام 1922م بظهور العديد من النظم الفاشية والدكتاتورية في أوروبا، وبدأت الموجة الثانية مع انتهاء الحرب العالمية الثانية واستمرت حتى منتصف الخمسينات وشملت ألمانيا الغربية سابقا وايطاليا والنمسا واليابان وبعض دول أمريكا اللاتينية، وبدأت الموجة الثالثة مع الانقلاب العسكري في البرتغال عام 1974م وامتدت حتى أواخر الثمانينات وشملت اسبانيا واليونان والعديد من دول أمريكا اللاتينية واسيا وأفريقيا، وهي الموجة التي تناولها "سامويل هنتينجتون" في كتابه :الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين.

edf40wrjww2article:art_body
fiogf49gjkf0d
وقد ثار الجدل حول الأسباب التي جعلت المنطقة العربية بعيدة عن التأثر بتلك الموجات، حيث   بدت المنطقة حينئذ محصنة ضد التأثيرات الديمقراطية بشكل مثير للدهشة. ويبدو أن الخصوصية السياسية والاجتماعية والثقافية للعالم العربي، قد ساهمت مع غيرها من الأسباب في ترسيخ أنظمة الحكم التسلطية في المنطقة العربية لعقود طويلة.إلا أنه بقدر خصوصية الحالة العربية، وبقدر قوة أنظمتها الاستبدادية وترسخها ،بقدر خصوصية موجة التحول والتغيير التي تتعرض لها حالياً  ، والتي أطاحت حتى الآن بنظامين من أعتى النظم الاستبدادية في المنطقة وهما النظامين المصري والتونسي ،وعلى وشك الإطاحة بنظامين استبداديين آخرين هما النظامين الليبي واليمني والبقية تأتي ، حيث يبدو أن شجرة الاستبداد الضاربة بجذورها في عمق المجتمعات العربية لم يكن يكفي للإطاحة بها موجة تغيير عادية ، بل كانت في حاجة لموجة استثنائية عاتية لزلزلة أركانها ، وهو ما يحدث في الآونة الأخيرة عبر اندلاع موجة من الثورات الشعبية في كل من تونس و مصر وليبيا  واليمن وسوريا وبدرجة أقل في البحرين ،مع احتمالية شبه مؤكده لامتداد تلك الموجة من الثورات لتشمل العديد من الدول العربية الأخرى. فما هي الأسباب والملابسات التي دفعت باتجاه التغيير في العالم العربي  وأدت إلى تفجر تلك الانتفاضات والثورات العارمة؟

الأسباب والملابسات الدافعة للتغيير في المنطقة العربية :
           حقيقةً لم يكن من المفاجئ اندلاع مثل هذه الثورات الشعبية العارمة في تلك البلاد العربية، والتي عانت لفترات طويلة من عدد من الظروف والملابسات التي جعلت من تفجر الثورات الشعبية فيها أمرا حتمياً لا بد منه وفقاً لكافة المقاييس و الاعتبارات المنطقية والواقعية والموضوعية ، فلقد عانت تلك الدول من انغلاق الأفق السياسي لفترات طويلة، حيث قبع على قمة السلطة في هذه الدول عدد من الحكام المستبدين المحاطين بدوائر ضيقة مغلقة من الأهل والمقربين والمنتفعين ، واختزلوا أوطانهم في ذاتهم واعتبروا بلادهم وشعوبهم مجرد أدوات للوصول إلى مآرب شخصية كالمجد الخاص آو تضخيم الثروات، غير آبهين للمصالح العليا للأوطان ، وفي هذا الإطار سُخرت مؤسسات تلك الدول لخدمة شخص الحاكم ومقربيه وتراجعت المصلحة العامة لصالح مصلحته الخاصة وتراجع أمن الوطن لصالح أمنه وامن نظامه. وفي ظل هذا المناخ استشرى الفساد الإداري والسياسي، و تضاءلت فرص الحراك الاجتماعي، وتراجع المجتمع لصالح الدولة، وانعدمت المنافسة السياسية الحقيقية في ظل سيطرة حزب السلطة  أو التنظيم السياسي الواحد على كافة مفاصل الدولة، وغابت المشاركة السياسية الفعلية ، وفُرضت قوانين الطوارئ وأُصدرت العديد من القوانين الاستثنائية المقيدة للحقوق والحريات، ومورس القمع ضد المعارضين، وتم التضييق على حرية الرأي والتعبير، وتحولت المنابر الإعلامية الرسمية إلى أبواق دعائية تلهج بالثناء على الحاكم ونظامه، وتعدد بطولاته و إنجازاته الوهمية في مشاهد عبثية مشينة من النفاق السياسي الذي يعد أحد أخطر آفات العملية السياسية في العالم العربي . واقتصرت الممارسات السياسية على بعض المظاهر الشكلية الهابطة كالاستفتاءات الدورية على التجديد للحاكم  أو الانتخابات التشريعية التي افتقرت إلى أدنى اعتبارات النزاهة واتسمت بالتزوير الممنهج. كل ذلك في إطار ما يمكن تسميته بـ "التأبيد السياسي" المتمثل في تشبث الحاكم بالسلطة مدي الحياة بل وسعيه لتوريثها من بعده، وذلك في ظل نظم حكم تٌسمى مجازاً "جمهورية" ،الأمر الذي جعل من تلك الأنظمة مجرد أنماط مشوهة لأنظمة الحكم فلاهي جمهورية ولاهي ملكية ،مما جعل البعض يطلق عليها - تهكما ً- اسم "الجمهلكيات العربية".

          ونتيجةً لما سبق تحولت طبيعة العديد من الدول العربية إلى أنماط ثلاثة ، فهي إما "سلطوية بيروقراطية" أو "مخابراتية" أو "بوليسية". وكان من المنطقي والطبيعي أن تتآكل- بناءً على ذلك- الشرعية السياسية لنظم الحكم في تلك الدول،وأن يتنامى الرفض السياسي والاجتماعي لها، مما جعل من استمرارها أمرا مستحيلاً.

          إن جملة الظروف والملابسات السياسية السابقة جعلت من تفجر الثورات الشعبية العارمة في المنطقة العربية قدراً محتوماً لا مفر منه، إلا أن تلك الظروف والملابسات لم تكن لتفجر- منفردة أو بمعزل عن الظروف الاقتصادية- تلك الثورات، حيث مثلت الأوضاع الاقتصادية العامل الوسيط الحاسم في اندلاع تلك الثورات ، فلقد ترافقت الظروف والملابسات والممارسات السياسية السلبية السابق ذكرها مع تأزم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في العديد من الدول العربية ،حيث تفاقمت مشكلة البطالة وتدنت مستويات المعيشة وارتفعت معدلات التضخم وتزايدت معدلات الفقر وغابت العدالة الاجتماعية ، و في هذا السياق تصاعدت المطالب  والاحتجاجات والإضرابات الفئوية،مع تجاهل النظم الحاكمة  لتلك المطالب والاحتجاجات أو تقصيرها في تلبيتها أو عجزها عن تقديم حلول فعالة لمواجهتها سواءً على المدى القصير أو الطويل ، الأمر الذي أشاع حالة  خطيرة من التذمر الشعبي  وعدم الاستقرار. وقد مثلت تلك الظروف والملابسات الاقتصادية المتأزمة الوقود المحرك للانتفاضات والثورات الشعبية في المنطقة العربية.
 
          ونظراً لكون الفئات العمرية الشبابية هي الأكثر تأثراً  وتضرراً من انغلاق الآفاق السياسية  وتردي الأوضاع الاقتصادية وتفاقم مشكلة البطالة، كما أنها هي الأشد  رغبةً في التغيير،فقد مثلت تلك الفئات القوة المحورية المحركة التي أشعلت الثورات ، مستفيدة في ذلك من الثورة المعلوماتية  والقدرات التواصلية الفائقة لشبكات التواصل الاجتماعي على الانترنت، والتي أتاحت فرصةً كبيرة للحشد الجماهيري على نطاق واسع ، وكسرت الاحتكار والتعتيم الإعلامي الذي مارسه الإعلام الرسمي للنظم الاستبدادية لفترات طويلة.
 
          وعلى الرغم من اتخاذ العديد من الأنظمة العربية الدكتاتورية لعدد من الإجراءات الإصلاحية- بعضها قديم قدم تلك النظم الدكتاتورية وبعضها حديث حداثة الأزمة التي واجهتها بتفجر الانتفاضات الشعبية - كالانتقال من صيغة التنظيم السياسي الواحد إلى صيغة التعددية السياسية المقيدة، أو السماح  بحرية الرأي والتعبير في  إطار ما يمكن تسميته بـ "الديمقراطية الكلامية" ، أو الإعلان عن بعض الإجراءات الاقتصادية العلاجية العاجلة مثل الإعلان عن توفير بعض فرص العمل أو تقديم إعانات مادية أو الإعلان عن زيادات هزيلة للأجور ، إلى غير ذلك من الإجراءات ، إلا أن عزل  هذه الإجراءات  عن سياقها  الواقعي الأشمل المتمثل في الرغبة الماسة في التغيير و تحقيق الحرية  والعدالة الاجتماعية والكرامة ، وكذلك إفراغ تلك الإجراءات من مضامينها الحقيقية واتسامها بالانتقائية والتحكم ،وغلبة الطابع القمعي على السلوك السياسي للأنظمة الحاكمة، والذي تجلى في تنامي الدور السياسي للأجهزة الأمنية والعسكرية  ،ونزوعها للاستخدام المفرط للقوة للرد على المطالب و الاحتجاجات الشعبية، قد قلل إلى أدنى درجة فعالية تلك الإجراءات في نزع فتيل الأزمة ، وفي هذا السياق مثلت الممارسات الأمنية اللاإنسانية القاسم المشترك في ازدياد اشتعال الأوضاع ومثلت القطرة التي أفاضت الكؤوس المترعة، الأمر الذي أدى إلى تحول تلك المطالب والاحتجاجات إلى انتفاضات ثم إلى ثورات شعبية شاملة .

رؤية مستقبلية حول التغيير في المنطقة العربية:
         لقد جاءت الانتفاضات والثورات الشعبية الدافعة بقوة نحو التغيير في المنطقة العربية في إطار عصر ما بعد الأيديولوجيات كتحركات تدفعها مطالب اقتصادية واجتماعية وقيم بشرية  سامية عامة  كالحرية والعدالة والكرامة ورفض الاستبداد - وهي قيم  لا تُعد غريبة  على الإطلاق عن التراث والسياق الحضاري العربي الإسلامي في جوهره النقي الأصيل - بعيداً عن أن تكون مدفوعة ً بأيديولوجيات  معينة. وتؤكد الظروف والملابسات التي أحاطت بتلك الانتفاضات والثورات على حتمية التغيير في المنطقة العربية بكاملها دون استثناء، بمعنى أنه لم يعد  ثمة نظام عربي  في مأمن من التغيير، فقد باتت الأنظمة العربية الحاكمة أمام خيارين : أحدهما: المبادرة بالإصلاح  الفعلي والعاجل عبر اتخاذ خطوات حقيقية نحو الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي ، و الآخر: أن تكون عرضةً لثورات شعبية شاملة تطيح بها من جذورها وذلك انطلاقا ً مما يعرف بظاهرة " الدومينو"   أو ظاهرة العدوى أو الانتشار، حيث سرعان ما ستمتد تأثيرات ثورات مصر وتونس وليبيا واليمن وغيرها لتشمل المنطقة العربية برمتها، لتفتح بذلك صفحة ً جديدة ً في تاريخ تلك المنطقة التي ظلت بعيدة عن ركب التطور الديمقراطي لعقود طويلة.
         إن المنطقة العربية الآن  تبدو أفضل حالاً من ذي قبل ، فحالة الحراك والتفاعل السياسي القوي التي تعيشها حالياً لهي أفضل بكثير من حالة الركود والجمود السياسي التي عانت منها  لعقود طويلة وأثرت سلباً على مكانتها العالمية وإسهاماتها الحضارية، وذلك على الرغم من هواجس ومؤشرات عدم الاستقرار السائدة الآن، وهي أمر طبيعي ولاسيما في مراحل التحولات الكبرى ، إلا أن تلك الحالة من عدم الاستقرار سرعان ما ستزول تدريجياً لتحل محلها حالة من الاستقرار وذلك عبر الإصلاح الحقيقي الشامل، وعبر ما يمكن تسميته بمأسسة القيم الثورية الجديدة كالحرية  والكرامة والعدالة والمساواة ، بمعنى صياغة تلك القيم في أطر دستورية ومؤسسية معبرة عنها بما يضمن استمراريتها وبما يضمن انعكاسها على الممارسات  الواقعية الفعلية. و ذلك في إطار عملية جادة وشاملة لبناء وعي جماعي سليم وإيجابي، ليحل محل الوعي السطحي السلبي الذي عملت النظم الحاكمة على نشره عبر تجهيل الشعوب وتسطيح فكرها و خداعها لضمان انقيادها. فالحفاظ على الثورات بقيمها ومبادئها يبدأ ببناء قلاع حمايتها في العقول.

 

        * الكاتب : دكتوراة في النظم السياسية المقارنة  وخبير في الشؤون السياسية العربية







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 74615


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 46266


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 45985


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 45411


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 40455


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 40018


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 39845


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 38274


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 37632


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 36535


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى