الإثنين,16 يونيو 2025 - 12:00 ص
: 511    

كتب الحسين محمود -01019888736
elhossiendev@gmail.com

الحرب الإيرانية-الإسرائيلية حين يقود الغرور إلى الهاوية في خضم التصعيد المتزايد بين إيران وإسرائيل، لم تعد الأوضاع الإقليمية قابلة للاحتواء ضمن أدوات الردع التقليدية. فمع الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيرة والصواريخ، واندلاع حرائق هائلة داخل الأراضي المحتلة بفعل الضربات الإيرانية، بات واضحًا أن سياسات إسرائيل العدائية قد تجاوزت الخطوط الحمراء، ودفعت نحو مواجهة مباشرة لم تكن مهيّأة لها – لا سياسيًا ولا عسكريًا.

الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي وقعت فيه إسرائيل هو استخفافها الطويل بردود إيران. لعقود، اعتمدت تل أبيب على سياسة الضربات المسبقة في سوريا ولبنان، وضرب أهداف مرتبطة بإيران دون أن تتحمّل ثمنًا مباشرًا. هذا الغرور الأمني، المدفوع بدعم غربي غير مشروط، خلق تصورًا خاطئًا لدى القيادة الإسرائيلية بأنها قادرة على التصعيد دون أن تواجه ردًا موازٍ.

لكن المتغير الأهم جاء مع تحوّل إيران من مرحلة "التحمل الاستراتيجي" إلى "الرد التكتيكي المدروس". الرد الإيراني الأخير – سواء عبر الوكلاء أو بشكل مباشر – تجاوز حدود الرسائل السياسية، وألحق أضرارًا مباشرة ببنية إسرائيل الداخلية، العسكرية والمدنية، وهو ما لم يحدث بهذا الشكل منذ عقود.

الغباء السياسي الأكبر يكمن في توقيت التصعيد الإسرائيلي. فمع اشتعال الجبهات في غزة ولبنان، وازدياد العزلة الدولية بسبب المجازر المرتكبة في القطاع، كان من الأجدى لحكومة نتنياهو البحث عن مخرج سياسي، لا إشعال جبهة جديدة مع قوة إقليمية بحجم إيران. لكن سيطرة اليمين المتطرف، واستغلال الحرب داخليًا لتوحيد الجبهة الداخلية، دفع بإسرائيل نحو قرار كارثي لن تدفع وحدها ثمنه، بل المنطقة بأسرها.

وبينما تغرق تل أبيب في دوامة الحرب، فإن الرأي العام الإسرائيلي بدأ يدرك أن الشعارات الأمنية لم تعد تشتري له الأمان، وأن المؤسسة العسكرية فقدت القدرة على إدارة صراعات متعددة دون كلفة فادحة. الأسوأ، أن انكشاف هشاشة الجبهة الداخلية أمام طائرات وصواريخ قادمة من آلاف الكيلومترات، دق جرس إنذار لم يكن أحد مستعدًا لسماعه.

النتيجة؟ إيران أظهرت أن لديها القدرة والإرادة على الرد، وإسرائيل أظهرت أنها فقدت توازنها الاستراتيجي وأصبحت تلعب بالنار، دون أن تملك أدوات إطفائها.

طوال السنوات الماضية، اعتمدت إسرائيل على سياسة "الضربات الوقائية" ضد أهداف إيرانية في سوريا ولبنان وحتى داخل إيران، ظنًا منها أن طهران ستكتفي بالاحتجاج السياسي. هذا المنطق العدواني لم يكن فقط مغرورًا، بل يفتقر لأي قراءة عقلانية لمعادلات القوة المتغيرة.

ومع تفجر الوضع في غزة واستمرار المجازر، اعتقدت حكومة نتنياهو – التي تحكمها أيديولوجيا يمينية متطرفة – أن فتح جبهة مع إيران قد يخلط الأوراق ويخدم أجنداتها الداخلية. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: إيران ردّت بشكل مباشر، دقيق، وموجع، لتكشف أن إسرائيل ليست مستعدة لأي حرب حقيقية خارج غاراتها الجوية المعتادة.

الحرائق التي اندلعت داخل فلسطين المحتلة بعد الضربات الإيرانية لم تكن مجرد "خسائر جانبية"، بل صفعة استراتيجية لجيش ومؤسسة أمنية تروج منذ عقود لقدرتها على "الحسم"، بينما هي غير قادرة حتى على حماية عمقها الداخلي من طائرات مسيّرة.


الغرب: دعم أعمى رغم وضوح العدوان

هنا يتجلى الغباء الأكبر: الموقف الأوروبي والأمريكي الذي لا يزال يتعامل مع إسرائيل كـ "ضحية"، رغم أنها من بدأت العدوان، وخرقت السيادة الإيرانية، ودفعت المنطقة للتصعيد.

الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وغيرهم سارعوا إلى إعلان دعم "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، متناسين أن إسرائيل هي من قصفت قنصلية إيرانية في دمشق وقتلت ضباطًا رسميين في اعتداء موثق وغير شرعي بموجب القانون الدولي.

هذا الانحياز الأعمى ليس جديدًا، لكنه اليوم يدفع العالم نحو حرب إقليمية، ويُظهر أن "الشرعية الدولية" لم تكن يومًا سوى أداة سياسية تخدم من يملك القوة الإعلامية والسلاح، لا من يملك الحق.


النتيجة: الفشل المركب

ما حدث خلال الأسابيع الماضية يكشف ما يلي:

  • أن إسرائيل لا تملك خطة استراتيجية لما بعد الضربات، وتتصرف بردود فعل هوجاء.

  • أن إيران تملك القدرة والإرادة للرد، وتحسن اختيار توقيتاتها ورسائلها.

  • أن الغرب فقد قدرته على التأثير الفعلي، وأصبح رد فعله عبارة عن تكرار لبيانات قديمة لا توقف حربًا ولا تحمي حليفًا.

  • أن الشعوب العربية والإسلامية باتت ترى بوضوح من المعتدي ومن المدافع عن كرامته، بعيدًا عن الرواية الغربية المعلّبة.


هل نحن على أعتاب حرب كبرى؟

المواجهة لم تصل بعد إلى ذروتها، لكن مؤشرات الانفجار الإقليمي أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
وإذا استمرت إسرائيل في التصرف كدولة خارجة عن القانون، بدعم غربي غير مشروط، فإن القادم سيكون أعنف مما يتوقعه الجميع – والأخطر أن من بدأ العدوان قد لا يكون قادرًا على إنهائه.

 







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد القراءات : 89289


عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 84615


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 60525


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 57950


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 55371


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 53227


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 49879


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 49498


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 47299


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 47166


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى