الأربعاء,11 مارس 2015 - 12:00 ص
: 13728    


بحكومتين ومجلسين تشريعيين.. استمرار حالة الانقسام السياسي في ليبيا انزلقت خلال عام 2014 ليبيا إلى صراع أهلي على خلفية الخلاف بشأن ولاية المجلس الوطني الانتقالي وصلاحياته. وفي وقت ظهر فيه توازن عسكري بين قوات "فجر ليبيا" ونظيرتها "الكرامة"، لم تفلح الوساطات إلا بجمع نواب محسوبين على الطرفين في غدامس.

fiogf49gjkf0d
منذ مطلع عام 2014، بدأت الأزمة بليبيا تأخذ طابعا تصاعديا لتضع البلد بالتدريج على شفا صراع أهلي. بدأ التصعيد باحتجاجات تطالب برحيل المؤتمر الوطني العام (البرلمان) بحجة انتهاء ولايته وفشله في معالجة الأزمة، ولم يمنع رحيل المؤتمر وانتخاب برلمان من تعمق الانقسام.
ففي ظل هشاشة أمنية بالغة، رافقها إخفاق في بناء مؤسسات أمنية وعسكرية حقيقية بعد عامين من إطاحة الثورة بالعقيد الراحل معمر القذافي، برز الاحتقان السياسي في الجدل الذي أثير حول شرعية استمرار المؤتمر الوطني.
أثمر الضغط الذي شكلته المظاهرات ومواقف قوى سياسية ممثلة في المؤتمر، من بينها "تحالف القوى الوطنية" بقيادة محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي؛ فوعد رئيسه نوري أبو سهمين في فبراير بانتخابات لبرلمان جديد، تم لاحقا إقرار موعدها في يونيو على أمل إخراج البلاد من أزمتيها السياسية والأمنية.
وقد كان لهذه الأزمة تداعياتها المباشرة، إذ عصفت برئيس الوزراء علي زيدان الذي أقاله المؤتمر الوطني في مارس. وكان سبب الإقالة فشل حكومته في وقف ناقلة كورية شمالية هرّبت نفطا من أحد موانئ خليج سرت الخاضعة لسيطرة حرس المنشآت النفطية الموالين للفدرالي إبراهيم الجضران.
ولم تكن إقالة علي زيدان إلا بداية النهاية للاحتقان السياسي، فخليفتاه أحمد معيتيق وعبد الله الثني كانا بدورهما موضع تجاذب، ولم يستطيعا خلال الأشهر القليلة التي سبقت انتخابات يونيو تخليص البلاد من حالة الاضطراب الشديد.
جاءت إذن انتخابات يونيو، وكان مؤملا أن تخرج ليبيا من الدوامة لكنها عمليا مهدت بدورها لأزمة أكثر عمقا.
فقبلها بأسابيع -أي في مايو- أطلق اللواء المتقاعد خليفة حفتر -الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف بتهمة محاولة الانقلاب على سلطة المؤتمر الوطني- حملة عسكرية تحت اسم "عملية الكرامة"، بحجة تطهير بنغازي من "الإرهابيين" الذين يقول إنهم مسؤولون عن عمليات الاغتيال التي كانت تستهدف ضباط الجيش وعناصر الشرطة في المدينة.
أعاد البرلمان الليبي المنتخب في طبرق الأسبوع الماضي تكليف عبد الله الثني، بتشكيل حكومة جديدة، في حين قدم عمر الحاسي، الموالي للإسلاميين تشكيلة حكومية منافسة للحكومة الأولى التي تخضع لسلطة البرلمان المنتخب الذي يتخذ من طبرق مقرًا له، وقد وافق المؤتمر الوطني المنتيهة ولايته على تشكيلة الحاسي، وذلك في خطوة ترسخ الانقسام السياسي في ليبيا.

وكلف المؤتمر الوطني الذي يهيمن عليه الإسلاميون وحل محله رسميًا البرلمان المنتخب في يونيو، الحاسي بتشكيل “حكومة إنقاذ” في 25 أغسطس، لتكون حكومة مماثلة للحكومة الرسمية التي تعمل حاليا من مدينة طبرق شرق البلاد، وتتضمن التشكيلة الحكومية الموازية 19 حقيبة وزارية تولى مسؤوليتها أشخاص غير معروفين لعامة الليبيين.

وعلى إثر ذلك، تشهد البلاد حالة انقسام سياسي بوجود حكومتين ومجلسين تشريعيين، وكان رئيس حكومة تسيير الأعمال الليبية عبد الله الثني، قد تقدم باستقالته من منصبه لمجلس النواب الليبي المنعقد في طبرق شرقي ليبيا، و أثار ذلك ردود أفعال عدة على المستوى المحلي لجهة تقييم الاستقالة.

ويرى محللون أن حكومة الثني، فشلت في إدارة الملفات المحلية منذ توليها السلطة، خاصة في مجالي الأمن والخدمات، وكذلك لم تستطع تقديم ليبيا بوجه دبلوماسي دولي يليق بها بعد ثورة السابع عشر من فبراير 2011، كما تعرّضت لهزات عنيفة بسبب استقالات بعض وزرائها، بل اتُهِم البعض الآخر بالتحيّز لطرف سياسي، وهو حزب تحالف القوى الوطنية، والتيار الفيدرالي الداعمين لـ”عملية الكرامة”، في بنغازي والمؤيدين لمليشيات “الصواعق” و”القعقاع” و”المدني” في طرابلس، ضد قوات “فجر ليبيا” في العاصمة الليبية و”مجلس شورى الثوار” في بنغازي.

ويشير محللون إلى المواقف السلبية لحكومة الثني أخيرا من العمليات العسكرية في طرابلس وبنغازي، فهي لم تندد ببيان واحد بما قام به اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بمحاولته الدخول بمليشياته إلى بنغازي في السادس عشر من مايو الماضي، بحجة القضاء على قواعد الإرهاب والتطرف فيها وقصف بنغازي ودرنة بطائرات حربية تابعة للدولة رغم كونه متقاعدا.

ومع إعلان المؤتمر الوطني استئناف جلساته مؤقتًا استجابة لدعوة من قيادة قوات فجر ليبيا، بعد بسط سيطرتها على طرابلس وطرد مليشيات الصواعق والقعقاع والمدني المتحالفة مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يشن حملة عسكرية على الثوار في الشرق تحت مسمى “عملية الكرامة”.

من جهة أخرى، أعلن ثوار العاصمة الليبية طرابلس تشكيل “مجلس شورى ثوار طرابلس الكبرى”، يضم الكتائب المقاتلة من منطقة جنزور غربا حتى منطقة القره بولي شرقا، وأكد المجلس الجديد- في بيانه الأول- أنه سيعمل على تصحيح مسار ثورة فبراير واستكمال أهدافها، كما أكد نبذه الإرهاب والتطرف.

ويلفت المحللون إلى أن مجلس النواب الحالي المنعقد في طبرق، والذي يعاني هو الآخر من أزمة دستورية، قد تعصف به الدائرة الدستورية في المحكمة العليا الليبية حال حكمها بعدم دستورية إجراءات التسليم والتسلّم بينه وبين المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق)، قد ضغط على الثني أو طلب منه تقديم استقالته للمجلس مقابل وعده بتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك نتيجة الإخفاقات العديدة المحلية والخارجية، وأظهرت الاستقالات الحكومة أمام الرأي العام المحلي والدولي في حالة شلل وعجز، ولا قدرة لها على الاستمرار بثلاثة أو أربعة وزراء فقط.

في المقابل، يرى متابعون للشأن السياسي الليبي أن استقالة حكومة تسيير الأعمال ما هي إلا مناورة قام بها الثني، تحديداً بعد عودة “المؤتمر” الذي قد يتقاسم السلطة التشريعية مع مجلس نواب طبرق، بل وتكليفه لعمر الحاسي، من بنغازي بتشكيل حكومة أزمة.

ويضيف هؤلاء أن الثني، اتجه لهذه الخطوة بعد أن بدأت حكومته تفقد قدرتها على الحركة والفعل التنفيذي داخليا، وعدم قدرتها على إقناع الرأي العام الدولي، بل إن بعض الدول يراها طرفا من أطراف الصراع السياسي والاقتتال الداخلي.

تجربة مصر
أثارت عملية حفتر والمهل التي أعطاها قبل ذلك للمؤتمر الوطني بإنهاء أعماله شعورا لدى التشكيلات المحسوبة على ثورة فبراير/شباط 2011، بأنه يستفيد من الوضع الناتج عن الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في مصر للانقلاب على الثورة.

ومع اتضاح صورة التحالف بين حفتر وكتائب الصواعق والقعقاع المنتشرة في مطار طرابلس وحوله، أطلقت تشكيلات الثوار منتصف يوليو عملية "فجر ليبيا"، والتي انتهت بطرد الكتائب المتحالفة مع حفتر من طرابلس، ولاحقا من مواقع أخرى في محيط المدينة نحو الجبل الغربي (جبل نفوسة).
وانتهت المعركة بهذه الصورة رغم تعرض مواقع لقوات فجر ليبيا في محيط طرابلس لضربات أكدت مصادر أميركية أن مصر والإمارات نفذتاها.
كان لعمليتي الكرامة وفجر ليبيا أثر واضح في إذكاء الانقسام الذي عمقه أيضا قرار مجلس النواب الجديد الانتقال إلى مدينة طبرق شرقي البلاد، ثم إعلان دعمه لعملية الكرامة.
أدى هذا الوضع إلى تشكيل حكومتين في سبتمبر/أيلول: "حكومة أزمة" في طبرق برئاسة عبد الله الثني، و"حكومة إنقاذ" في طرابلس برئاسة عمر الحاسي. وظل هذا الوضع قائما رغم الحكم الذي أصدرته الدائرة الدستورية في المحكمة الليبية العليا في نوفمبر/تشرين الثاني ببطلان ما ترتب عن انتخابات يونيو/حزيران، وبالتالي حل مجلس النواب.
ووسط هذا الانقسام، شنت قوات اللواء حفتر في منتصف أكتوبر حملة عسكرية في بنغازي ضد مجلس شورى ثوار المدينة في محاولة للسيطرة عليها، وأسفر القتال خلال أسابيع عن نحو خمسمائة قتيل.
وفي الغرب، تمكنت الكتائب المتحالفة مع حفتر من السيطرة على مدينة ككلة في الجبل الغربي بمساعدة الطيران الحربي الذي استهدف مواقع في طرابلس وقرب الحدود التونسية.

ودفعت هذه التطورات قوات فجر ليبيا -المدعومة بوحدات تابعة لرئاسة الأركان في طرابلس- إلى الرد بعملية عسكرية في المناطق الغربية، ولاحقا في ديسمبر/كانون الأول بعملية "الشروق" للسيطرة على الموانئ النفطية شرقي ليبيا.
الوساطات الدولية
في ظل هذا الوضع المضطرب الذي بات مصدر تهديد للأمن الإقليمي والدولي، حسبما رأت دول جوار ليبيا والغرب، حاولت الأمم المتحدة ودول الجوار الدفع نحو حل سياسي للأزمة، لكن جهودها لم تفض إلى نتائج.
ونجحت بعثة الأمم المتحدة نهاية سبتمبر/أيلول في عقد لقاء تمهيدي بمدينة غدامس (جنوب غرب طرابلس) بين نواب قاطعوا مجلس النواب (المنحل) وآخرون شاركوا في أعماله، وأُعلن عن جولة ثانية من الحوار في مدينة أوجلة جنوب بنغازي منتصف ديسمبر/كانون الأول.
كما عقدت اجتماعات لدول جوار ليبيا كان أحدثها في الخرطوم، وصدرت عنها دعوات لحل سياسي، بينما لم يُكتب النجاح لمبادرة عرضتها الجزائر لجمع فرقاء الصراع في ليبيا على أرضها.
في المقابل، تزايدت التهديدات الدولية بفرض عقوبات على الأطراف الليبية الضالعة في الصراع، في حين وضع مجلس الأمن جماعة "أنصار الشريعة" في بنغازي على لائحة "المنظمات الإرهابية".









التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 74286


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 46041


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 45584


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 45134


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 40058


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 39734


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 39677


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 38103


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 36669


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 36429


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى