الإثنين,15 أبريل 2013 - 05:29 ص
: 23046    

كتب السياسة الدولية -عرض : ريهام مقبل- باحثة في العلوم السياسية

تحديات بناء الدولة الليبية في الذكرى الثانية للثورة مع الذكرى الثانية للثورة الليبية، تواجه الحكومة تحديات جمة، يتقدمها التحدي الناجم عن الميليشيات المسلحة التي لا تزال تسيطر على أجزاء من الدولة، والذي بدأت آثاره تلوح في الأفق، عقب الهجوم على القنصلية الأمريكية، الذي أسفر عن مقتل السفير الأمريكي، كريستوفر ستيفنز، وثلاثة من مساعديه، ليكشف عن عجز الدولة في التعامل معها، ومدى الخطر الذي تشكله هذه الميليشيات لتأجيج العنف، وإحداث فوضى

fiogf49gjkf0d
كما أنها مثلت نقطة تحول في حالة المراوحة بين المجموعات المتشددة المسلحة والسلطة الحاكمة، حتى اضطرت الحكومة إلى اتخاذ قرار بنزع أسلحة هذه الجماعات التي لا تخضع للدولة، ولكن لا يزال هذا القرار قيد التنفيذ.

وفي هذا السياق، تأتي دراسة بعنوان "المرحلة الانتقالية في ليبيا ما بعد القذافي: تحدي بناء الدولة"، أعدها مجموعة من الخبراء، منهم كريستوفر تشفز، وكيث كرين، وبيتر مانديدفل، وجيفري مارتيني، والصادرة عن مؤسسة راند للأبحاث. وتعرض إخفاقات وتحديات الحكومة الانتقالية في عديد من الملفات، على رأسها الملف الأمني، والسياسي، والاقتصادي، وخطوات إعادة بناء الدولة، ودور العامل الخارجي لإعادة بناء ليبيا.

التحدي الأمني.. معضلة السفارة الأمريكية

أشار الباحثون إلى خطر الميليشيات المسلحة التي باتت تهدد مستقبل الدولة الليبية، حيث آثر البعض الاحتفاظ بالأسلحة التي تم نهب بعضها من ترسانة القذافي، وإقامة علاقات مع جماعات إرهابية، بينما فضل الآخر مهاجمة قوات الدولة لخلق دولة داخل الدولة، وقام هؤلاء بتدمير الأضرحة الصوفية، ونبش القبور، الأمر الذي أثار موجة من الخوف والذعر. ويعمل عدد منهم بعيدا عن أنظار الحكومة، ويتبنون أجندات خاصة بهم لإحكام السيطرة على بعض المدن.ففي طرابلس، على سبيل المثال، وقع صدام بين كتيبة الأوفياء والقوات النظامية، سعيا من الأولى لفرض سيطرتها على المدينة في منتصف شهر أكتوبر. وعلى النقيض، ترتبط الميليشيات في مدينتي مصراتة والزنتان بالحكومة، بيد أنهم رفضوا الانضمام إلى الجيش الوطني.

وقسم الباحثون الميليشيات المسلحة إلى ثلاث جماعات. تتمثل الأولي في الجيش الوطني الليبي، والذي يتكون من قوات النظام السابق، وانشق هؤلاء عن جيش القذافي. وتنصرف الثانية إلى قوات درع ليبيا، التي تشبه الحرس الوطني، وتخضع لأوامر وتعليمات قادتهم دون الرجوع إلى الجيش الوطني. وتتعلق الثالثة بمجلس الأمن الأعلى، الذي أنشأه المجلس الوطني الانتقالي الليبي، ويضم عناصر ثورية وأفرادا دُربوا على أعمال الشرطة، ولكنهم رفضوا الرضوخ لمطالب الحكومة الليبية بحل نفسها، والاندماج في الجيش الوطني، وقاموا على أثرها بتدمير مكاتب حكومية في فندق ريكسوس، احتجاجا على فشل الحكومة في تسليحهم ، كما أنهم سعوا لفرض أجندتهم في العديد من المسائل الأمنية وارتكبوا مخالفات جسيمة.

ويرون أن أحداث بنغازي أسهمت في إعادة النظر في الوضع الأمني المتدهور منذ شهور، فقد سبق الحادث وقوع هجوم واشتباكات منها الهجوم الذي تعرضت له السفارة البريطانية، ومحاولة تفجير السيارة الدبلوماسية، وتقاتل الميليشيات المتنافسة للسيطرة على بلدة بني وليد من الموالين للقذافي. وقد كشفت التحقيقات عن تورط قاعدة في بلاد المغرب العربي وجماعات متطرفة أخرى بالتعاون مع جماعة أنصار الشريعة في الحادث، بيد أنها لا ترتبط بالقاعدة. إلا أن المسئولين الأمريكيين كشفوا عن اتصالات مباشرة بينهما قبل الحادث، بما يكشف عن طبيعة التهديدات الكامنة في ليبيا.

وتطرق الباحثون لمجموعة الخطوات التي توجب على الحكومة بذلها للتغلب على المعضلة الأمنية. تتمثل الأولى في إنشاء لجنة لشئون المحاربين من قبل وزارتي الدفاع والداخلية، بالتعاون مع الأمم المتحدة، تضم المحاربين القدامى، وتوفير فرص عمل لهم . وتنصرف الثانية إلى تقديم حزمة من المساعدات والحوافز المالية وضمانات لعدم تعرض حياتهم للخطر، فهذه الميليشيات يشغلها بالأساس تحقيق الأمن والرفاه الاقتصادي.

إلا أن الدراسة حذرت من أهمية التفرقة بين الميليشيات التي يمكن نزع سلاحها بطريقة سلمية، والأخرى التي تري في العنف وحيازة السلاح وسيلة للضغط على السلطات، وإجبارها على تقديم تنازلات. وتتعلق الثالثة بالاتفاق على تحديد المسئوليات لمعرفة الاحتياجات والقدرات المطلوبة، وتوزيعها بين وزارتى الدفاع والداخلية وبعض الوزارات الأخرى. وأضافت الدراسة أن مجلس الأمن الأعلى يبذل جهودا حثيثة من الأرجح أن تساعد في ملء الفراغ الأمني عن طريق مساعدة الشرطة، ولكن هذه المؤسسة مشكوك في ولائها .

دور جديد للناتو؟

أشارت الدراسة إلى عدد من الأسباب التي ميزت التدخل العسكري الدولي في ليبيا عن دول أخرى، لاسيما في دول البلقان والعراق. يتمثل السبب الأول في أن المجتمع الدولي بعد سقوط النظام لم يلجأ إلى استخدام قوات حفظ سلام، كما أن الولايات المتحدة قوضت قوتها العسكرية أثناء حملة الناتو. وينصرف السبب الثاني إلى أن قوات حلف الناتو تمتعت بدعم شعبي، لاسيما الدعم العربي، بعد أن أعطت الجامعة العربية الضوء الأخضر لقوات حلف الناتو لفرض حظر طيران جوي. ويتعلق السبب الثالث بأن الشعب الليبي لم ينخرط في حرب أهلية، فكان هدفهم الرئيسي واحدا، هو إسقاط نظام القذافي، كما أن معدل التدمير كان قليلا. ويتمثل السبب الرابع في أن الوضع الاقتصادي الليبي متميز، فهي غنية بموارد النفط، وليست بحاجة إلى المساعدات الخارجية.

ويؤكد الباحثون أن غياب مستشارين من حلف شمال الأطلسي في ليبيا، بعد سقوط نظام القذافي، كان ملحوظا مقارنة بالدور الكبير الذي لعبه الحلف لإسقاط النظام. فقد نجح الحلف في عدد من دول المنطقة ودول أوروبا الشرقية في إقامة علاقة شراكة معهم. وإذا توافر هذا النوع من الشراكة مع ليبيا على كافة المستويات، فسيساعد على إصلاح وإعادة بناء القطاع الأمني، عن طريق توفير عدد لا بأس به من الخبراء.

ويمكن أن تمتد هذه الشراكة إلى إنشاء بروتوكولات شراكة، وكذلك وحدات تشغيل للتعاون، وتوفير ضمانات أمنية للحفاظ على أمن ليبيا لتجنب توظيف قوات أمريكية أو أوروبية، ولكن عليها أيضا تعزيز سلطة الدولة الليبية لإحكام السيطرة على أراضيها. والمطلوب من حلف الناتو هو العمل على تصميم خطط فعالة لتحسين القطاع الأمني، وتقديم المساعدات التقنية والدعم اللوجيستي، وأدوات اتصال، وأدوات طبية، وأشكال أخرى من التدريب .

إعادة بناء ليبيا.. المهمة الأصعب

يرى معدو الدراسة أن الشعب الليبي اجتاز فترات عصيبة أثناء تولي المجلس الوطني الانتقالي مقاليد الحكم، وتسلم المؤتمر الوطني الليبي بعدها دفة إدارة البلاد، وفقا لانتخابات اتسمت بالنزاهة والحرية. ومع ذلك، أشاروا إلى جملة من التحديات التي لا تزال عقبة في طريقها من أجل إعادة بناء الدولة الديمقراطية الحديثة من الفراغ، وأهمها:

أولا: تحدى كتابة الدستور الجديد، بالرغم من أن الانتخابات كانت وسيلة لاختيار ممثلين للشعب الليبي، إلا أن المرحلة اللاحقة تحتاج لتطوير في مؤسسات الدولة. ولكن برز عدد من المشكلات حيال عملية كتابة الدستور، الذى وُضع له جدول زمني طموح لإنجاز مسودته، يبلغ 60 يوماً منذ الاجتماع الأول للجنة الدستورية، وتحديد الجهة المنوط بها صياغة الدستور، أي من حيث عدد الأعضاء، وطريقة الاختيار، وإن كان قد تم حسم الأمر عبر إقرار آلية الانتخاب الحر المباشر لهيئة صياغة الدستور.

ويؤكد الباحثون أن معضلة تطبيق الشريعة في الدستور من عدمه ليست محل جدل كبير في ليبيا مقارنة بدول الريع العربي الأخرى، ولا يوجد ما يثير الخوف من أن تصبح ليبيا دولة دينية. ولكن المعضلة الحقيقية فى كتابة الدستور هي كيفية إحداث توازن بن السلطة المركزية من ناحية، والمقاطعات من ناحية أخرى. ولا تزال مسألة الفيدرالية تهدد كيان الدولة الليبية.

ثانيا: إدماج الإسلاميين في العملية السياسية، وتعد ليبيا نموذجا أكثر اعتدالا بسبب تضاؤل تمثيل الإسلاميين في المؤتمر الليبي، حيث حصلوا عى 21% من المقاعد. ومع ذلك، هناك صعوبات جمة لضمهم إلى العملية السياسية، وذلك بسبب لجوء معظمهم إلى العنف كوسيلة لمواجهة الدولة.

ويحذر الباحثون النظام الليبي القائم من إقصاء وإبعاد الجماعات الإسلامية، وبالتالي يتوجب على الحكومة القائمة أن تضم جل القوى السياسية، سواء الإسلامية أوغير الإسلامية، للمشاركة في صياغة سياسات البلاد. ثالثا: التعامل مع إرث القذافي، حيث ترك النظام السابق مؤسسات الدولة في حالة وهن يرثى لها، وبنيت على أساس فردي، وليس مؤسسيا مع غياب كوادر تستطيع إدارة البلاد. كما أنه أهمل المؤسسات الأمنية لصالح منظمات غير حكومية، مثل اللجان الثورية التي تحكم بها شخصيا.

لذلك، افتقد معظم الجنرالات العسكرية الخبرة والقدرة على التخطيط الاستراتيجي، ناهيك عن إخضاعه المجتمع المدني والإعلام لسيطرته، ومنع إنشاء أحزاب سياسية . وبرزت النعرات الجهوية والقبائلية بشكل واضح وصل إلى حد التصادم بينهم، على خلفية مواقفهم. فقد كان البعض منهم يؤيد القذافي، فقد اعتمدت سياساته في السابق على "فرق تسد". وقد يؤدى هذا التوتر بين القبائل إلى عرقلة عملية التحول الديمقراطي، والتغلب على هذه المعضلة يتحقق من خلال بناء مؤسسات تعزز الوحدة الوطنية، وإنشاء لجان للمصالحة.

رابعا: الحفاظ على الاستقرار الاقتصادى،  حيث يرى الباحثون أن نجاح التجربة الديمقراطية يعتمد بالأساس على خلق بيئة مناسبة للقطاع الخاص، وتوسيع ناتج النفط والغاز الطبيعي، حيث لا يزال الاقتصاد الليبي يعاني من إرث نظام القذافي، الذى كانت سياساته الاقتصادية ترمى إلى التشبث بالسلطة بشكل مستميت، وبناء شبكة حماية للاستقرار السياسي.

وأضحى تقسيم السلطة بين الحكومة المركزية والمناطق أمرا مهما يحتاج إلي حل، خصوصاً أن موارد نفطية مهمة أصبحت على المحك. وتحتاج الحكومة لأموال طائلة لإدارة الحكم، حيث يأتي المال بالأساس من خلال بيع النفط الليبي. لذلك، فإن سوء إدارة النفط الليبي قد يفضي إلى تفشي الفساد على نطاق واسع، وبالتالي فهي بحاجة ملحة إلى استخدام مصادر الطاقة بحكمة، وإعادة توزيع عوائد النفط .

المساعدات الخارجية.. تحديات وفرص

نتيجة للتحديات المذكورة أعلاه، أكد الباحثون أن ليبيا بحاجة إلى المساعدات الدولية أكثر من أي وقت مضى، وإن كانت تختلف عن تلك التي أسهمت في إسقاط نظام القذافي، حيث إنها بحاجة إلى دعم بناء على كافة المستويات، سواء التقنية، أو الاستراتيجية، لبناء مؤسسات سياسية وإدارية، وتحسين المستوى الاقتصادى. ولكن هناك جملة من التحديات أمام المجتمع الدولي لمساعدة ليبيا، يمكن حصرها في التالي:

أولا: الحفاظ على هوية الدولة، حيث حاولت الحكومة الليبية العزوف عن مشاركة الدور الدولي في بناء الدولة الليبية، لدرجة أن بعض المسئولين ظنوا أن الولايات المتحدة قد تتدخل عسكريا عشية أحداث بنغازي، علاوة على أن الحكومة الليبية تفتقر إلى رؤية واضحة لإدارة دفة البلاد، ومهارات الاتصال مع العالم الخارجي.
ومن ناحية أخرى، نجد أن منظمة الأمم المتحدة كانت حاضرة بقوة في ليبيا، ولكن قامت مهمتها بالأساس على مبادرات صغيرة، والتعامل مع المساعدات العاجلة، ولم تطمح إلى تعهدات طموح وواسعة النطاق.

فعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن ليبيا بحاجة إلى مساعداته، في إطار خطط لإعادة توزيع الموارد لمصادر يمكن الاستفادة منها لصالح الوظائف والحشد المجتمعي، وهذا يحتاج إلى دعم فني ومساعدة دولية أكثر من أي وقت مضى.ونقل الباحثون عن اثنين من علماء السياسة المقارنة، وهما: ستيفن ليفيتسكي، ولوكن واي، أن الروابط الدولية تلعب دورا حاسما في تعزيز التحولات الديمقراطية، من خلال الشراكة في عدد من القطاعات. وهذه الروابط تكون أكثر فعالية، عندما تكون خارج إطار المساعدات الرسمية، وما ينتج عنها من التزامات وتنازلات، وهو ما تتبعه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ثانيا: تنظيم جهود الفاعلين الدوليين والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية لضمان إحداث قدر كبير من التأثير، وتحقيق التضامن. وليبيا ليست لديها خبرة حيال التعامل مع الشركاء الدوليين. ويُعزى ذلك إلى محدودية الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة، حيث تركت وظيفة التعاون لفاعلين آخرين، ليست لديهم موارد كافية لمساعدة ليبيا.

ثالثا: صعود فاعلين إقليميين، مثل قطر وتركيا، أو دوليين، مثل الصين والبرازيل والهند، حيث تسعى هذه الدول إلى إقامة علاقات وثيقة بالحكومة القائمة بطريقة غير متصلة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وختاما، أكدت الدراسة أن التحديات الليبية لا يمكن حلها بسهولة ، فهي قد تحتاج إلى سنوات للتخلص من مشاكلها المزمنة، وبناء دولة تنموية. وعليه، فإن على القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، أن تستمر في دعمها لليبيا لقيادة البلاد نحو مستقبل أفضل.







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 76653


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 49505


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48304


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 47869


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44094


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 42943


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42505


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41393


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40251


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37621


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى