الأربعاء,20 يونيو 2012 - 10:01 ص
: 1802    


خلافة يزيد بن معاوية(60 - 64 هـ/ 679- 683م ) هـو يـزيـد بـن مـعـاويـة بن أبـى سفيـان وأمه ميسون بنت مخول الكــلبـيــة . ولد فـى دمشق سنـة 26هـ فـى خـلافـة عثمـان بن عـفــان ،حـين كـان أبوه واليًا عـلى الشـام، فنشـأ فـى بيت إمـارة وجـاه، وقد عُنـى أبوه بتربيته تربيـة عربيـة إسـلاميـة، فأرسله و هو طفـل إلى البـاديـة عند أخواله من بنـى كلب ، فشب شجاعًا كريمًا، أبــى النـفس، عــالـي الهـمــة، شــاعـرًا فصيحًا، وأديبًا لبيبًا، حـاضر البديهة، حسن التصرف فى المواقف

fiogf49gjkf0d
ويـعده العـلمـاء من الطبقـة الأولى من التـابعين، ولبعضهم رأى حسن فـيه مـع أخـذهم عـليه ميـله إلى حيـاة اللهو فـى صدر شبـابه، فـلقبه الليـث بـن سعد فقيه مصر الكبير بـلقب أمير المـؤمنين ، وقـال عـنه ابـن كـثيـر : وقـد كــان فــى يـزيد خصـال محمودة من الكرم و الفصـاحـة و الشعر و الشجـاعـة، وحسن الرأي فـى المـلك، وكـان ذا جمال، حسن المعاشرة

ومـنذ أن عزم أبوه عـلى توليته الخـلافـة بعده أخذ يحمـله عـلى الجد و الحـزم، وتـرك حـيــاة اللهـو والتـرف، اسـتعـدادًا لتـولى هذا المنصب الجـليـل، وعهد إليه بالقيام بالمهام الصعبة، فأرسله على رأس الحملة العسكريـة التـي وجههـا فى سنتي 49 - 50 هـ لحصار القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، وكان تحت قيادته بعض كبار الصحابة

توليته الخلافة

كــان يـزيـد غــائـبًا عـن دمـشق عند وفـاة أبيه فـى رجب سنـة 60هـ ، فـأخذ البيعـة له الضحاك بن قيس ، ولما حضر جاءته الوفود وأمراء الأجناد، لتعزيته فى أبيه وتهنئته بالخلافة وتجديد البيعة له

وقـد تـرسَّم يـزيـد خطـى أبيه، واستوعب وصيته له التـي توضِّح له مـعــالم طـريـقه السـيـاسـي، و تبيِّن له كيفيـة التعـامـل مع المشكـلات و أحوال الرعيـة، وهذه الوصية تُعدُّ من أهم الوثائق السياسية فى فن الحكم وإدارة الدول

حـافظ يزيد على سلامة الدولة وهيبتها، وحمى حدودها، واستمرت حركـة الفتوحـات فـى عهده، فوصـل عقبـة بن نـافع إلى شواطئ المحيط الأطـلسـى ، مخترقًا الشمـال الإفريقـى كـله، وعبرت طـلائع الفتح نهر جيحون لفتح بلاد ما وراء النهر آسيا الوسطى

الفتوحات الإسلامية في عهد يزيد

- ولاية عقبة بن نافع الثانية

أعـاد الخـليفـة يزيدُ بن معـاويـة عقبـةَ بن نـافع مرة أخرى إلى شمـالي إفريقيا ، فواصل جهود أبى المهاجر ، وقام بحملته التي اخترق بهـا الساحل كله فى شجاعة وجرأة حتى بلغ شاطئ المحيط الأطلسى ، وأوطأ أقدام فرسه فى مياهه، وقال قولته المشهورة: اللهـم اشـهد أنــى قـد بــلغـت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت فـى البلاد، أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحدًا دونك

وفــى أثنـاء عودة عقبـة من غزوته المظفرة تعرض لكمين نصبه له البيزنطيون بمسـاعدة كسيلة زعيم البربر ، الذى كان عقبة قد أهـانه، فبينمـا هو يسير فـى عدد قليل من جنوده يبلغ زهاء ثلاثمائة جندى انقضت القوات البيزنطيـة عـليه وعـلى من معه عند بـلدة تهودة فاستشهدوا جميعًا سنة 63هـ

ومما أسهم فى وقوع الكارثة أن عقبة قد وقع فى خطأ عسكرى كبير، إذ سـرَّح معظم جـيشه، وأمرهم بالسير أمامه، فـابتعدوا عنه لمسـافـة طويـلة، ممـا جعـل الجيش البيزنطـى ينفرد به ويهزمه هزيمـة ثقيـلة أضـاعت كـل الجهود التـي بذلها المسلمون فى فتح تلك البلاد،

و اضـطر المـسـلمون إلى الارتداد إلى الخـلف، ولم يستطيعوا الاحتفـاظ بالقيروان، وعادوا إلى برقة ثم تسـلَّم زهير بن قيس البـلوى قيـادة الجيش خـلفًا لعقبـة بن نـافع سـنــة 63هــ ، وعـزم عــلى الثــأر من البيزنطيين و البربر ، لكنه لم يـستـطع أن يـحقـق هدفه إلا فـى سنـة 69هـ  نظرًا لانشغـال الدولة الأمويـة بـالأحداث والفتن الخطيرة التـي حدثت فـى الداخـل بعد وفـاة يزيد بن معاوية سنة 64هـ

الثورات في عهد يزيد بن معاوية

- ثورة الحسين بن على

لم يقم الشيعـة بـأى ثورة ضد معـاويـة بن أبـى سفيان ، طوال مدة خـلافته 41 - 60هـ ، وإنمـا اندلعت أولى ثوراتهم بقيادة الحسين بن عـلى فـى خـلافـة يزيد بن معاوية ، بعد أن رفض الحسين بيعة يزيد ، وكان قد رفض من قبل تعيينه وليا للعهد فى زمن أبيه

اعـتصم الحسين بمكـة المكرمـة، وهنـاك توالت عـليه رسـائـل أهـل الكوفـة يطـلبون منه الحضور إليهم؛ ليبـايعوه بـالخلافة، فاستجاب لهم على الرغم من تحذير ابن عباس - وهو من أقرب الناس إليه - من الذهـاب إلى العراق ، لأنها دعوة من لا أمان أو عهد لهم، وقد خذل أهـل العراق أبـاه من قبل، لكنه أصر على الذهاب، وأرسل - قبل أن يـتحـرك- ابـن عمه مسـلم بن عقيـل بن أبـى طـالب إلى الكوفـة ، ليستطلع الأمر، ويكتب له بحقيقة الموقف هناك. وصـل مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، فاستقبله الناس بحماس شديد و بحفـاوة بـالغة، وبايعه منهم نحو ثمانية عشر ألفًا، فانخدع بهم بعد أن تـغــافــل النـعمــان بـن بشير والى الكوفـة عنه، فكتب إلى الحسين يطمئنه، ويطلب منه الحضور إلى الكوفة

ولمـا عـلم يزيد بمـا فعـله مسـلم فى الكوفة ، اضطر إلى عزل النعمـان بن بشير عن ولايتها لتغاضيه عما يقوم به مسلم ، وولَّى مكـانه عبيد الله بن زيـاد ، فحضر عـلى الفور، وقبض عـلى مسلم و قـتــله بـعد أن انـفضـت عـنه الآلاف التي تـجمـعت حـوله مـن أهــل الكوفة، و تركوه يلقى مصرعه لوحده

وفـى أثنـاء هذه الأحداث المتـلاحقـة كـان الحسين فى طريقه إلى الكوفـة ، فـلمـا وصلته أخبار مسلم ، و تخاذُل الكوفيين عنه، قرر العودة إلى مكـة ، لكن إخوة مسـلم أصروا عـلى مواصلة السير، طلبًا لثأر أخيهم، فلم يجد الحسين بُدا من مطاوعتهم، وكان هذا من الأخـطــاء الكـبيـرة، فــالذي قـتــل مـسـلم دولة لا فرد، وليس فـى استطـاعتهم - وهم قـلة فـى عددهم - التصدِّى للدولة، فقد كـانوا نحو سبعين رجلا

واصـل الحسين سيره حتـى بـلغ كربـلاء بـالقرب من الكوفـة ، فوجد جيشًا كبيرًا فى انتظاره بقيادة عمر بن سعد بن أبى وقَّاص يـزيـد عـددُه عمَّا معه من أفراد بنحو خمسين مرة، وعسكرت القوتـان دون تكافؤ بينهما فى القوة، فعرضَ الحسين على عمر بن سعد ثـلاثـة حـلول للخروج من هذا المأزق، إمَّا أن يتركه يعود إلى مكة ، و إمــا أن يتركه يذهب إلى ثغر من ثغور الإسـلام فيجـاهد فـى سبيـل الله، وإمــا أن يـدعـه يذهب إلى دمشق لمقـابـلة الخـليفـة يزيد بن معاوية ويضع يده فى يده وكــانت هذه الخطوة من الحسين - رضـى الله عنه - طيبـة؛ لأن ذلك مـعنــاه أنـه أنـهـى ثورته وجنح إلى السـلام، كمـا سُرَّ بهذه الخطوة عـمر بـن سـعد ، لأنـه لم يكن راغبًا فـى مواجهـة الحسين ، ولكن عــليـه أن يستشير عبيد الله بن زيـاد ، فهو الوالي وصـاحب القرار، فـرحـب بــالفـكرة لأول وهــلة، لأن فـيهــا حقن الدمـاء، وبخـاصـة دم الحسين حفيد رسول الله صـلى الله عـليه وسـلم ، غير أن شيطـانًا مـن شـيــاطـين الإنـس يُدعـى شمر بن ذى الجوش أشـار عـلى ابن زيـاد ألا يقبل من الحسين إلا أن يسلِّم نفسه باعتباره أسير حرب، و أن يرسله بهذه الصفة إلى الخليفة يزيد بن معاوية فى دمشق

وكـان من الطبيعـي أن يرفض الحسين بن على هذا الطلب، فالموت عنده أهون عـليه من هذا كمـا قال هو نفسه، ولو أن مشركًا أو ذميا كـان فـى مكـان الحسين ، وعرض عـليهم هذه الحلول السلمية لكان عـليهم قبولها، لكن ابن زياد خضع لهذه الفكرة الشيطانية، ورفض الحسين تسـليم نفسه أسير حرب، فدارت معركـة غير متكـافئة بين الفريقين فـى كربـلاء فى العاشر من المحرم سنة 61هـ ، استُشْهِد فيهـا الحسين ، رضـى الله عنه، وقتـل من كـان معه من أهـل بيته، ولم ينجُ من القتل إلا ابنه على الملقب بزين العابدين

وكـانت نتيجـة المعركـة مـأسـاة مروعة، أدمت قلوب المسلمين جميعًا حزنًا عـلى الحسين ، ريحـانـة الرسول صـلى الله عـليه وسلم ، كما كـانت سببًا من أسبـاب زوال الدولة الأمويـة ، وامتد أثرهـا فى تفريق كلمة المسلمين إلى يومنا هذا.

ولاشـك أن مسئوليـة دم الحسين تقع فـى المقـام الأول عـلى أهـل الكوفـة الذين أخرجوه ثم خذلوه، ولذلك يروى أن آخر جمـلة قالها قبل وفاته: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا ، ثم عــلى عـبيد الله بن زيـاد الآمر المبـاشر بقتـاله، أمـا يزيد بن أبـى سفيـان فـإنه - وإن لم يـأمر بقتـل الحسين ، ولم يسعد بذلك - كان يجب أن تكون أوامره صريحـة بعدم قتال الحسين ، لاسيما أن أباه معاوية قد أوصاه بذلك

ثورة الخوارج

استـأنف الخوارج نشـاطهم عـلى نحو أعنف بعد وفاة معاوية سنة 60هـ ، فـأرسـل إليهم يزيد بن معـاويـة حمـلة بقيادة عبيد الله بن زيـاد ، فتصدى لهم بقوة، ثم ازدادت ثوراتهم بعد وفـاة يزيد سنـة 64هـ ، مستغلِّين فى ذلك حالة الفوضى التي سادت العراق

وكــان يـمكـن لعـهد يـزيـد أن يـكون امـتدادًا لعـهد أبيه، استقرارًا و اسـتتـبــابًا، لولا عدة حوادث خطيرة، عكَّرت صفو الأمـة الإسـلاميـة، و ألقت بظلال سوداء على عهد يزيد ، وطمست إنجازاته، منها حــادثــة اسـتشـهــاد الحـسيـن بن عـلى - رضـى الله عنهمـا - فـى كـربــلاء سـنــة 61هـ وغزو المدينـة المنورة سنـة 63هـ لقمع الثـورة التــى قــام بـهـا أهـلهـا ضده دون سبب قوى، ثم غزو مكـة المكرمة للقضاء على دولة عبد الله بن الزبير سنة 64هـ

ولم تطـل أيـام يزيد ، فقد توفـى فى شهر ربيع الأول سنة 64هـ ، وهو فـى الثـامنة والثلاثين من عمره وتولى بعده الخلافة ابنه معاوية بن يزيد وهو معـاوية بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان ، وأمه أم هـاشم بنت أبـى هـاشم بن عتبـة بن ربيعة ، ومع أنه لم ينهض بعمله بـاعتبـاره خـليفـة، فإنه أخذ مكانه فى سلسلة خلفاء الدولة الأموية، ويـسمـيه بـعض المـؤرخين معـاويـة الثـانـى ؛ لأن أبـاه قد عهد إليه بـالخـلافة بعده، طبقًا لنظام الوراثة الذى أسسه جده معاوية ، وقد بــايعه النـاس بعد وفـاة أبيه، لكنه أعـلن فـى صراحـة أنه عـاجز عن النـهوض بـمسئوليـة الخـلافـة، وعـليهم أن يبحثوا عن شخص كفء من أهل الصلاح والتقوى لتحمل عبء مسئولية منصب الخلافة

ولم تـطـل حيـاة ذلك الشـاب الورع، حيث تُوفِّى بعد أبيه يزيد بنحو أربعة أشهر، أو بعد أربعين يومًا فى قول آخر







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 76100


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 48397


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 47631


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 47267


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 43047


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 42357


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 41864


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 40827


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 39608


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37089


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى